من ذاكرة وطن الشرفاء

المقاله تحت باب  قصة قصيرة
في 
01/02/2007 06:00 AM
GMT



أخوان....كل من لايرغب بالذهاب فهو حر...أردت فقط أن أقول أن الذهاب طوعي وليس أجباريا ...لا أجبار في الدين كما تعلمون ....صدق الله العظيم...

والمهمة سهلة ولن تستمر لأكثر من شهر واحد فقط ..شهر واحد ليست له قيمة إزاء ما قدمه الوطن لنا....

إلتفت حشد المعملين الى الرفيق الحزبي , وبدأوا يتهامسون بينهم , بينما راح الرفيق الحزبي يتطلع اليهم وهو يجهز ورقة وقلما بيده , ثم تلقفتها أيدي من يحيطون به ليجوبوا بين حشد المعلمين لتسجيل الأسماء...

قال أستاذ ريسان عبد الله لأستاذ مهدي ملا محمد: أنا لن أذهب ....مادامت القضية طوعية فلن أذهب...

قال أستاذ مهدي ملا محمد : ياخوية كلها شهر واحد أو نرجع , لأن ذوله مراح نخلص منهم.. صدكني هسه انروح أحسن..

قال ريسان: لا ما أروح , قابل الرفيق ايجذب , كال طوعي يعني طوعي....

بدأت الورقة تدور بينهم ... ثم نادى الرفيق الحزبي : من يريد أن يذهب فليرفع يده؟

رفع أربعة معلمين فقط أيديهم وكان يبلغ عددهم ثلاثين معلما كلهم من كبار السن الذين ما فارقوا مدارسم ابدا, أما الباقون فكانت أيديهم ترتفع الى النصف وتهبط ...

قال أستاذ ريسان : رفيقنا وإذا ما رحنه شيصير ؟

قال رفيق رشيد .. لاشيء أستاذ ريسان .. لاشيء على الأطلاق .. إنت حر.. بس خلي الله بين اعيونك أو شوف الوطن شلون خدمك أو رباك أو ربى أولادك أو خلاك رافع راسك وين ما اتروح .. شوف الوطن ابيا وضع وانت احكم ... طبعا الوطن يحتاج للشرفاء...

فدمدم أستاذ ريسان بين نفسه .. أو كسها ... هاي من البداية طلعنه مناويك .. الله يستر...

طــُرق الباب ُ مساء ..كان أستاذ ريسان يلطع بقايا البيك الأول من العرق .. فركض نحو الباب...

حجي نوري ...خير إشجابك بهذا الليل ..

حجي نوري من كبار السن الذين يقفون على باب المنظمة الحزبية لقضاء حاجات الرفاق...

والله ما أدري أستاذ ريسان بس الرفيق ايريدك ... ايكول هسه يجي ...

زين ما تعرف ليش...

ما أدري أستاذ .. كال جيبه وياك .. ايبين الشغلة مهمه..

زين أغير ملابسي ..

بس ابسرعه استاذ...

ثم استدار أستاذ ريسان ليعود الى البيت, وبعد خطوات صاح به حجي نوري ..

أستاذ ريسان ..ايكول الرفيق خلي ايجيب وياه اليطغ...

يطغ ..ليش ؟

ما أدري .. ايجوز خفارة اليوم..

لا أله ألا الله .. والله ماراح نخلص من هاي اللغوة...

قال أستاذ ريسان لزوجته....

هذا حجي نوري ايكول الرفيق ايريدني ضروري ... يمكن الخفارة اتغيرت..

قالت ... خاف فد شي ثاني .. ايجوز على شغلة القاطع..

لا..لا.. لو شغلة ثانية جان دزو واحد ثاني غير نوري .. مادام حجي نوري يعني خفارة ...الله كريم ارجع الصبح ونشوف ..

زين جا لا تنسه وياك اتجيب خبز حار من الفرن .. او ماعون كيمر ...تدري علاوي ايحب الكيمر..

زين اخاف اتاخر لا يظل بالج يمي ..لأن راح امر على علوة الخضرة ابطريقي ..

في امان الله ...

في امان الله محروس ان شاء الله..

حمل يطغه.. بطانية ومخدة وجودلية وغادر مع حجي نوري...

في الطريق قال حجي نوري ... بس دقيقة انمر على استاذ مهدي ملا محمد انشوفة جهز حاله..

قال استاذ ريسان .. ليش استاذ مهدي هم دازين عليه؟

قال حجي نوري.. الرفيق كال اتجيبهم اثنيناتهم .. استاذ ريسان واستاذ مهدي...

زين او هم كال لازم ايجيب يطغ؟

طبعا.. المسكين جان نايم .. كلش تعبان....

كانت الساعة تجاوزت الحادية عشرة مساء .. انتظرا على الباب .. ثم خرج استاذ مهدي متأبطا يطغه..

ها هاي شنو أشو استاذ ريسان هم اهنا .. اشطلعك؟

الي طلعني طلعك يامهدي ... الخفارة غير..

بس اليوم مو خفارتنه استاذ ريسان .. شنو القضية..

ما اعرف يمكن غيروها..

تكلم استاذ ريسان مع نفسه ثم سأل حجي نوري ..

كلي حجي نوري يرحم والديك .. بس احنه طلبنه الرفيق لو اكو غيرنه؟

قال حجي نوري .. والله الصراحة استاذ انا مبلغ بتبليغكم .. غير هذا ما اعرف...

لكن شفت غيري ايروحون ايبلغون غيركم .. او سمعت الرفيق ايكول .. اليوم اريد كل الشرفاء اهنا...

قال استاذ ريسان.. الرفيق كال ..الشرفاء..

نعم .. كال الشرفاء...

أو كسها رحنه بيها .. حرامات لو امكمل ربعية العرك جان غلست بس بعدني صاحي او ما عندي جرأة أفلت... كال الشرفاء ها .. خوش قبض..

كانوا كلما اقتربوا من المنظمة الحزبية وهم يتجاوزون الأزقة المظلمة أو التي أكتسبت بعض الضوء من شبابيك البيوت .. ازداد الضجيج والحركة وأصوات السيارات .. كانت المنظمة تقع على أحد الشوارع الرئيسية في قلعة سكر.. ويقابلها على الجانب الآخر المكتبة المركزية وسلسلة من البيوت القديمة, وبين البيوت دربونة صغيرة مظلمة تفضي الى ساحة اوساخ ثم الى شارع يؤدي الى حي المعلمين ..

وما أن انتهت الدربونة حتى رأى الجميع المنظمة الحزبية كخلية النحل ..الناس تذهب وتجيء .. وهناك سيارتان من نوع (أو أم) وعلى سقفها ربطت اليطغات وفي داخلها أناس كثيرون تبدت بعض ملامحهم من خلال زجاجها..

ذهل استاذ ريسان فسأل حجي نوري..

شنو هذا ؟

قال .. ما أعرف...

ثم تراجع في الدربونة كي لا يره الأخرون ...

صاح أستاذ مهدي... أستاذ ريسان كأنه هذا قاطع جيش شعبي؟

قال ريسان .. كأنه.. هو قاطع جيش شعبي مية بالمية... كأنه هاي هاي والله أنت مسكين..

ثم تعالت الهتافات من داخل السيارتين وفي الخارج أيضا ... بالروح بالدم نفديك يا صدام... وتبدى شبح الرفيق العضو من بين الهاتفين وهو يومئ بقبضة يده اليمنى كمن يطرق على باب ما ..

قال مهدي .. أكلك ريسان يمكن هذولة غيرنه,أحنه بس خفارة ايجوز...

قال ريسان.. خايب إنته ما تشوف كل المارفعو ايديهم الصبح ابطن السيارات .. يرادله علم ...

دمدم ريسان .. اذا رحنه بعد ما نرجع .. معروفه..

استقبلهم الرفيق قائلا..

أهلا استاذ ريسان .. أهلا أستاذ مهدي .. يلـّه بوجوهكم للسيارات.. القيادة فكرت بيكم .. انتم لازم اتنالون وسام الشرف بالقادسية ... لا تهتموا كلها شهر وتعودون , وأحلف لكم بشرفي الحزبي ما راح أتروحون بعد ... ستكونون في الخلفيات لمساعدة الجرحى .. يلـّه أخوان بيضو وجه الوطن والقائد ,,خلي التاريخ يكتب اسماءكم بحروف من نور.. الرفيق سعيد عضو الشعبة سعيد كلش لأن تطوعتو..

قال ريسان .. بس رفيق انه ما رفعت ايدي ..

قال الرفيق .. أدري أستاذ بس إحنه رفعناها إلك حتى تغتنم الفرصة التاريخية في القادسية الثانية..

زين رفيق ما كلنه لهلنه...

لاتخافون أحنه راح انبلغهم ابهالخبر السعيد ..أكيد راح اتسمعون هلاهلهم وانتو بالجبهة.. أقصد بالخلفيات...

الله او ياكم .. بالروح بالدم نفديك يا صدام...

بعد سنتين ومن على أذاعة طهران..

إني الأسير المعلم ريسان عبد الله .. أسلم على أهلي و زوجتي و اولادي .. تأسرت في قاطع الشلامجة....

أكول لزوجتي وأولادي .. آني آسف ما ودعتكم شتسوي موبيدي .. بس أنه بخير ..

في قلب حي المعلمين .. وعلى أحد الأسيجة المائلة رفرفت لافتة بدا عليها القدم وأصبحت صفراء اللون بعد أن كانت سوداء.. كتب عليها.(ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)

الشهيد البطل الأستاذ مهدي ملا محمد .. استشهد في قاطع الشلامجة بتاريخ 21ــ3ــ 1983 ـ تقام الفاتحة على روحه الطاهرة في حسينية الكرد..

إنا لله وأنا أليه راجعون..............

إنتهت

 

أسامة العقيلي